حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
31
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم اللّه بعقاب . وعن عبد اللّه بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات لا يَضُرُّكُمْ ضلال مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [ النساء : 84 ] وقيل : إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله . وكان ابن شبرمة يقول : من فرّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر . وقيل : إنها مختصة بالكفار الذين علم اللّه أنه لا ينفعهم الوعظ ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب : عجبا من محمد يزعم أن اللّه بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل اللّه تعالى الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق . وقيل : كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال : إن هذا في آخر الزمان . ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل : سألت عنها خبيرا سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنها فقال : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام ، وإن من ورائكم أياما الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله . وقيل : كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفهت آباءك ولاموه فنزلت . ثم إنه سبحانه لما أمر بحفظ النفس في قوله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ أمر بحفظ المال . عن ابن عباس أن تميما الداري وأخاه عديا - وكانا نصرانيين - ، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلما مهاجرا - خرجوا للتجارة . فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك ، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات . ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما ، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت . ومعنى شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر . وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما